الجصاص

346

أحكام القرآن

قال أبو بكر : فذهب هؤلاء إلى أن معنى الآية الإخبار باشتراكهما في الزنا وأن المرأة كالرجل في ذلك ، فإذا كان الرجل زانيا فالمرأة مثله إذا طاوعته ، وإذا زنت المرأة فالرجل مثلها ، فحكم تعالى في ذلك بمساواتهما في الزنا ، ويفيد ذلك مساواتهما في استحقاق الحد وعقاب الآخرة وقطع الموالاة وما جرى مجرى ذلك . وروي فيه قول آخر ، وهو ما روى عاصم الأحول عن الحسن في هذه الآية قال : " المحدود لا يتزوج إلا محدودة " . واختلف السلف في تزويج الزانية ، فروي عن أبي بكر وعمر وابن عباس وابن مسعود وابن عمر ومجاهد وسليمان بن يسار وسعيد بن جبير في آخرين من التابعين : " أن من زنى بامرأة أو زنى بها غيره فجائز له أن يتزوجها " . وروي عن علي وعائشة والبراء وإحدى الروايتين عن ابن مسعود : " أنهما لا يزالان زانيين ما اجتمعا " . وعن علي : " إذا زنى الرجل فرق بينه وبين امرأته ، وكذلك هي إذا زنت " . قال أبو بكر : فمن حظر نكاح الزانية تأول فيه هذه الآية ، وفقهاء الأمصار متفقون على جواز النكاح وأن الزنا لا يوجب تحريمها على الزوج ولا يوجب الفرقة بينهما ، ولا يخلو قوله تعالى : ( الزاني لا ينكح إلا زانية ) من أحد وجهين : إما أن يكون خبرا وذلك حقيقته أو نهيا وتحريما ، ثم لا يخلو من أن يكون المراد بذكر النكاح هنا الوطء أو العقد ، وممتنع أن يحمل على معنى الخبر وإن كان ذلك حقيقة اللفظ لأنا وجدنا زانيا يتزوج غير زانية وزانية تتزوج غير الزاني ، فعلمنا أنه لم يرد مورد الخبر ، فثبت أنه أراد الحكم والنهي . فإذا كان كذلك فليس يخلو من أن يكون المراد الوطء أو العقد ، وحقيقة النكاح هو الوطء في اللغة لما قد بيناه في مواضع ، فوجب أن يكون محمولا عليه على ما روي عن ابن عباس ومن تابعه في أن المراد الجماع ، ولا يصرف إلى العقد إلا بدلالة ، لأنه مجاز ولأنه إذا ثبت أنه قد أريد به الحقيقة انتفى دخول المجاز فيه . وأيضا فلو كان المراد العقد لم يكن زنا المرأة أو الرجل موجبا للفرقة ، إذ كانا جميعا موصوفين بأنهما زانيان ، لأن الآية قد اقتضت إباحة نكاح الزاني للزانية ، فكان يجب أن يجوز للمرأة أن تتزوج الذي زنى بها قبل أن يتوبا وأن لا يكون زناهما في حال الزوجية يوجب الفرقة ، ولا نعلم أحدا يقول ذلك ، وكان يجب أن يجوز للزاني أن يتزوج مشركة وللمرأة الزانية أن تتزوج مشركا ، ولا خلاف في أن ذلك غير جائز وأن نكاح المشركات وتزويج المشركين محرم منسوخ ، فدل ذلك على أحد معنيين : إما أن يكون المراد الجماع على ما روي عن ابن عباس ومن تابعه ، أو أن يكون حكم الآية منسوخا على ما روي عن سعيد بن المسيب .